ضفيرتين .. وحكاية
كتبهاFatosha ، في 1 آذار 2007 الساعة: 20:30 م
دمشق 1986…
رجل وامرأة عجوز تبدو وكأنها والدته يجوبان غرفة الانتظار ذهاباً وإياباً في جوٍ من الترقب … والخوف … وكثيرٍ من السعادة …
صرخة طفلٍ تدوي في غرفة الولادة …
يضيء بريقٌ في عيناها …
تتكئ على يد ابنها وتمضي مسرعة نحو الطبيب الذي خرج لتوه …
- مبروك … اجتكن عروس زغنونة …
- الله يبارك فيك … بس لا تفتحلي هالسيرة هلأ …. لتخلص دراسة بالأول …
يضحكان معاً …
دمعةُ سقطت…
وجملةٌ تبعثرت حروفها …
- أجت آخر العنقود … تقبرني … صاروا أحفادي 12 …. كملت الدزينة ..
دمشق
وداد كانت تخاف على حفيدتها الصغيرة جداً …
فقد منعت أي ممرضة من الاقتراب منها … أو حتى أخذها إلى الحاضنة لوضعها مع بقية الصغار ..
- خلوها هون …… ما تاخدوها … بركي تخربطت مع باقي الولاد ..
- يا حجة ما في غيرها بنت بالحاضنة ….. الباقي كلهن صبيان
- ولو بركي حدا بدلها بشي صبي…
- يا حجة حدا ببدل صبي … ببنت !!!!
- ليش من شو بيشكوا البنات ؟ ……… يئبشوني ..
دمشق 1986 بعد شهر …
عينان صغيرتان تتفتحان بصعوبة وتنظران نظرة استغراب من كل شيء :tasaaol: ..
فهذا العالم عجيبُ للغاية ..
- كم هم غريبون هؤلاء الأشخاص !!!!!!!!!!!…
- أحجامهم تفوق حجمي بعشرات المرات ..!!!!!!!!!
- يحركون شفاههم بطريقة مضحكة عندما يتحدثون إلي !!!!!!!
- يتكلمون إلى بعضهم بنظراتٍ كاذبة !!!
- ليتني أستطيع فهمهم …
أيادي كثيرة تتناقلها ..
هذا يمسكها بحذر … وتلك يلهفة …. وذاك بابتسامة ..
لكن يد واحدة ووجه واحد استوقفاها …
يدُ بلمستها دفء محبة لا توصف …
وجه فيه حنان وأمان كبيرين رغم غرابته …….. فهو وجهُ تغطيه تعاريجُ كثيرة لم تستطع تلك الطفلة إيجاد أي تفسير لها … منزلقات … مرتفعات …
- سأكتشفه
… تمتمت بلغة طفولية ..
رفعت يدها الصغيرة بمشاكسة … قربت كفها الذي لا يتجاوز حجمه حجم تلك البمبونة من ذلك الوجه …
- يعليكي شو عفريته …. أنا تيتة …. لا تستغربي..
ابتسمت ببراءة وتمتمت بطفولة …. جدتي … كم أنتِ حنون
دمشق 1989 ….
يارا كبرت بعض الشيء …
أصبحت قادرة على الكلام …. والمشي … والغناء الذي لم تكن تكف عنه أبداً إلا بالبكاء …
وداد كانت تحب يارا بجنون …
ويارا كانت تعرف كيف تستغل هذا الحب …
فكم هي كثيرةُ تلك المرات التي اختبأت فيها يارا خلف ظهر التيتة وداد هربا من أمها التي ترغب باصطحابها للنوم …
لكن التيتة وداد- طبعاً- ستشفق على أميرتها الصغيرة يارا … لتقول لأمها دون تفكير أو تردد …
يا بنتي تركيها …. رح نيمها حدي …
كم كانت تفرح يارا عند سماع هذه الجملة …. فالليلة ستكون حافلة بالحكايات المشوقة …
يارا…. ستجوب القلاع ……. وتراقص الأمراء …
ستتوه في الغابات …….. وتخاف من الذئاب ……..
يارا كانت لا تكف عن الأسئلة … الغريبة أحيانا …. والمضحكة أحياناً أخرى …
وكم هي كثيرة تلك الليالي التي غفت فيها وداد قبل أن تنام يارا …
- تيتا …. تيتا …. الذئب أكل ليلى ؟؟؟ …. تيتا … تيتا … فيقي … كملي القصة …
دمشق 1990 ..
صباحات شتوية باردة …
ثلوجٌ تغطي الدروب والطرقات ..
ومذياع يصدح بصوت فيروز الملائكي ليعطي للأيام طعم الذكريات ..
تلج تلج … عم بتشتي الدنيا تلج …
ويبدأ العراك الصباحي …
- يارا … يا يارا … فيئي … يا ماما ….. الأوتكار رح يصل ..
تفتح الصغيرة عيناها بكسل … وتقول بصوتٍ نائم ..
- مامي أنا فئت … سوفي كيف فئت …
ولا تكاد أم يارا تصل إلى نهاية الممر حتى تكون ابنتها الكسولة قد غمرت نفسها بغطائها الصوفي الدافئ واستسلمت للنوم من جديد …
صوت دافئ يتسلل إلى سمع يارا …
- يا حبيبة التيتة … ئومي ..
تقفز يارا من سريرها مسرعة وتركض باتجاه الصوت وعيناها لا تزلان شبه مغلقتين … تعانق جدتها الحنون وتقبلها تلك القبلة الصباحية التي تمثل بالنسبة ليارا ولادة يوم جديد …
ترتدي مريولها الأزرق على عجل … فالوقت تأخر وحافلة المدرسة ستصل قريباً ..
تحضر يارا مشطاً للشعر والشرائط الملونة وتقول للتيتة وداد ..
- يا تيتة … عمليلي جدولتين ..
- تقبريني يا تيتة … على راسي ..
يارا كانت مشاكسة جداً فهي لا تطلب ذلك من جدتها حباً بالجدائل … بل شوقاً لسماع التيتة تدنن أغنية حفظتها جيداً .
يارا لجدايلها شقر
فيهن بيتمرج عمر
وكل نجمة تبوح بسرارها
يارا …
وما إن تبدأ التيتة بالغناء حتى ترافقها يارا …. وتظلان تغنيان حتى تسمعا صوت الحافلة تطلق صافرتها معلنة عن وصولها .
تأخذ يارا قبلة من التيتة على عجل ….. تركب الحافلة ….. وتشير لها مودعة …
- باي تيتة …. بااااااااااااي
دمشق 1991…
كان للتيتة وداد حديقة أزهار رائعة … زرعت فيها ورود من كل الأنواع والألوان ..
فها هنا وردةُ جورية … وهناك زنبقة …. وفي تلك الزاوية فلة بيضاء … وعلى ذاك السور تدلت ياسمينة دمشقية ..
وداد علمت يارا حب الأزهار ..
علمتها أن للزهرة روح كما الإنسان ..
علمتها أن تكون صداقات معها … فقد قالت لها ذات يوم …
- يا تيتة … تذكري خلي الوردات رفقاتك … احكيلهم … اشكيلهم …. هنن يا تيتة ما بيقولوا لحدا … وإذا بدك تبكي ..إبكي قدامهم .. سقيهن بدموعك ….. بس … ما تبكي غير قدامهم …… غيرهم رح يشمتوا فيكي …. ورجي الكل أنك قوية ..
يارا كانت تقف حائرة … لا تستطيع فهم ما تقوله التيتة ….. فهي كانت تعشق البكاء …
لدرجة جعلت الجميع يشهدون لها بأنها صاحبة موهبتان ….. الغناء …. والبكاء …
لكن يارا كانت متأكدة أنه يوماً ما ستتذكر تلك النصيحة وستكون يومها قادرة على فهمها وتطبيقها كما أوصتها حبيبتها التيتة وداد …
دمشق 1992 ..
كان للعودة من المدرسة مذاق مميز ..
فيارا كانت تركض بلهفة وترتمي في أحضان جدتها …
ويبدأ المسلسل اليومي … فيارا لا تعرف الصمت أبدا ..
كانت تحب أن تخبر أدق التفاصيل لصديقتها الحميمة التيتة وداد …
ووداد كانت تسعد بذلك جدا .. فهاهي ذي ترى طفلتها تكبر أمامها .. ويصبح لها قصصها ومغامراتها الخاصة ..
أصبحت تتعلم كل يوم أشياء جديدة …
وكم كانت تتمنى أن ترى حفيدتها الصغيرة .. كبيرة … ناجحة … وسعيدة ..
كم كانت تتمنى – كما تتمنى كل أم أو جدة – أن ترى أميرتها بثوب الزفاف الأبيض ..
لكن وداد كانت تدرك جيداً أن أمنيتها قد لا تتحقق …
فالعمر يمضي …. ولا أحد يستطيع إيقافه …
دمشق 19/ 2/2000 :
يارا اليوم أصبحت على مشارف عمر الشباب …
الطفلة كبرت …
وذلك البرعم الصغير تفتح …
كان يوماً شتوياً ماطر …
وكعادتها .. يارا كانت عائدة من مدرستها
لكن هذه المرة كانت سعيدة سعادة لا توصف فقد حصلت على الدرجة التامة في تلك المادة الصعبة ..
وبينما كانت تركض بلهفة لتري جدتها ذاك المستحيل الذي استطاعت تحقيقه بفضل تشجيعها ودعمها ..
شيء غريب قد فاجئها …
تلاوة قرآن مرتفعة تنبعث من منزلهم … باب المنزل مفتوح
دخلت يارا ببطئ .. وبخطى متثاقلة ..
طاولة طعام كبيرة مدت في الصالة …
المنزل فارغ …
ركضت تبحث عن أحدهم .. واستطاعت بعد جهد كبير إيجاد والدتها في الداخل ترتدي الأسود ثيابا لها ..
- ماما .. شوفي ؟؟ …… شو صاير ؟؟!!
تملك الصمت والدتها …
- يا ماما قوليلي …..
- يا ماما التيتة وداد ماتت …
ترقرقت دمعة في عيون الصغيرة .. وقالت بحروفٍ مبعثرة …
- ماما قوليلي أنو عم تمزحي .. ماما قوليلي أنو تيتة جوى .. قوليلي عم تستناي … ماما الله يخليكي …
- لا يا ماما التيتتة ماتت عن جد ..
وهنا يارا لم تعد تشعر بأي شيء يدور حولها …
دمشق 19/2/2007
وتمضي عقارب الساعة مثقلة بحمل السنين وذكرى ترفض الرحيل
يوم كان للضفيرة طول عصفور صغير … وللأحلام براءة طفلة ممتلئة بالحياة
كانت يارا تجيد تكوير الهواء ورسم تفاصيل بنفسجية من العدم
وكانت وداد تحاول جاهدة إبعادها عن تلك الأوهام فتغني لها قبل النوم كفاك حلماً …..
يارا اليوم تدرك تماماً ما كانت وداد تحاول إيصاله إليها ..
فالتجارب تعلمها كل ساعة كم عليها أن تكون واقعية في خضم حياة تجيد قضم الأحلام
سبع سنين مرت على ذلك اليوم المشئوم
سبع سنين ولازالت يارا تشعر بطيف وداد يحيط بها من كل جانب .. يحميها .. يوجهها
ورغم ضخامة الأشياء التي تغيرت في يارا منذ ذلك اليوم إلا تلك المنمنمات ما تزال وستبقى محفورةً على جدار الذاكرة
أنها قصة علاقة مميزة قد تجمع بين أي جدة وحفيدتها .. فقد أكون نسيت أخباركم بأن يارا هي أنا
ووداد هي جدتي .. والقصة هذه قصتي…
ورغم أن جدتي تتلاشى سريعا من أمامي بينما أحاول أمساكها عندما ترتسم على فتافيت الهواء إلا أنني واثقة تماما بأنها موجودة في كل مكان حولي
جدتي … في ذكرى رحيلك لك مني ألف باقة عطر …. ورجاءٌ من الرب أن يغمرك برحمته …..
الفاتحة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 19th, 2007 at 19 مارس 2007 3:50 ص
يا ترى القصة الأولى هية انتي ؟
مايو 31st, 2007 at 31 مايو 2007 5:04 ص
الله يرحمها, ويحسن إليها, وانشاء الله بوكرة انت كمان بتصيري تيتة, وبتطلع يارا جديدة, وبتعلميها يلي عملتك ياه وداد, وهيك الدنيا بتمشي وبتمضي, وبتضل يارا ووداد, عم يعلموا بعض لآخر العمر…هي هي الحياة, حلوة, مرة, شو ماكانت لازم نعيشها, على امل إنو نوصل لليوم الموعد, ونكون راضين على انفسنا, وعلى الشي يلي عملناه بدنيانا…عمري 22 سنة, وكل يوم عم أكبر عم أرتكب خطأ, ولما بجي لصححو, وأفتح صفحة جديدة, بحس حالي عملت خطأ تاني…
كتاباتك رائعة كالعادة…لا تبخلي علينا…وهي علمت مدونتك بالعلامات الحية, يعني أي تغيير بمدونتك رح شوفو فوراً….فلا تطولي علينا…
موفقة…سلام
يونيو 24th, 2007 at 24 يونيو 2007 4:15 م
بصراحة القصة حلوة كتير …
و من اول ما قريتها حسيت في مسحة حزن … او بالأحرى توقعت النهاية المحزنة
او يمكن و انتي عم تكتبيها كان صاير معك نوبة حنين لجدتك وداد و هاد الشي ظهر بقصتك
انا شخصيا كانت ستي متل ستك تحبنا كتير و تدللنا و بيوم من الأيام فئت الصبح و كانت نايمة عنا .. بس وقت فئت كانت ميتة ..
بالفعل رجتيني لألم هديك الفترة
يوليو 1st, 2007 at 1 يوليو 2007 5:01 م
فتوشة : بغض النظر القصة كتير حلوة لانها لامست شي بالقلب.
لامست شي انا مريت فيه بفترة من الفترات .
بس حالياً انا بنساها لستي بس برجع بتذكرها بعد فترة. بس يمكن انتو البنات موضوع العواطف عندكم أكبر و أقوى لذلك عم تضللي تتذكريها .
و انا عنجد بتشرف اقرى لكاتبة موهوبة متلك .
شكراً كتير فتوشة .
أغسطس 19th, 2007 at 19 أغسطس 2007 7:24 م
شكراً لكِ ..
أخيراً .. وبعد شهور من العيش بلا مشاعر ، ها أنذا أشعر بالحزن …
الحمد لله .. لا بد أنني ما أزال إنساناً .. ولا بد أن يكون في أسلوبك ما يذكر بعض الآلات البشرية - مثلي - بالإنسانية ..